يختلف الناس في أسلوب ترحالهم. فالسائح يتوجه إلى معالم نالت الشهرة لسبب ما، وتعتريه لهفة جامحة لتسجيل مروره منها ووضع بصمته عليها، ثم ينتقل سريعاً إلى معالم أخرى. ويفضّل غيره التبحّر في المشهد بشكل آخر. يمضي الوقت في التجوّل، والالتفات إلى التفاصيل، وتحسّس الحجارة الحية المكسوة بالغبار في زوايا بعيدة عن الأضواء، وتذوّق عفوية المكان، والإصغاء بتمعن إلى إيقاع الحكي والإيماءات والرواية بتفاصيلها وجدليتها.
جسّد الكاتب البريطاني ألدوس هكسلي (1894-1963) رؤية خاصة عقب زيارته لمدينة القدس خلال منتصف الخمسينات ولقائه بلاجئ من القدس الغربية. ذاع صيت مؤلف "عالم جديد شجاع" (1932) و"الغايات والوسائل" (1937) بحسه النقدي وخياله الخصب الذي يميل في بعض الأعمال إلى أدب الخيال المستقبلي ("الديستوبيا"). يتناول هذا اللون من الأدب، الذي أثراه أيضاً كتّاب مثل جورج أورويل ويفغني زمايتين ومارغريت آتوود، ثيمات تظهر في دراما الخيال العلمي العالمي وتصف الآثار المترتبة على تطور نظام السيطرة والهيمنة التقنية في مجتمع رمزي.
الأمر غير المعروف كثيراً عن ألدوس هكسلي هو زيارته ووصفه لمدينة القدس بعد سنوات وجيزة من النكبة، حيث استوحى بعض التأملات والتوقعات حول تاريخ ومصير البشرية. في الرجوع لهذا النص دلالة رمزية في ظل الواقع العربي الراهن.
الدليل
"دليلنا في شوارع القدس العتيقة كان شاباً مسيحياً لاجئاً من الجانب الآخر من الجدار الذي أخذ يفصل البلدة القديمة...".
هكذا يستهل ألدوس هكسلي مقاله المنشور عام 1955 الذي يصف زيارته لمدينة القدس. شخصية الدليل السياحي الدرامية استوقفت الكاتب أكثر من العمارات والمواقع السياحية، ومنها انطلق لوصف تأملاته. وجه الدليل كان معبّرا عن رمزية الأحداث المحيطة.
يبدو أن الدليل كان سليل عائلة ميسورة الحال، انقلبت أحوالها خلال الحرب وتهجرت من القدس الغربية بعد أن فقدت ممتلكاتها وأراضيها. كان يحمل غصّة تمزج بين الحزن ومحاولة بائسة لضبط ألمه والتسليم بواقع الحال.
كان دليلاً جيداً، بل "جيداً بشكل مفرط" على حد وصف الكاتب، إذ كان يصرّ على اصطحاب المجموعة إلى مختلف الكنائس الأثرية، ولم يبخل بأخذ وقته في وصف التفاصيل التاريخية المملة. لم ينسجم ذلك مع شخصية هكسلي الذي يذكر أنه كان معنياً أكثر برؤية جوانب حيوية من القدس بشكل لا يقتصر على أشباح المعالم الأثرية. فوجد نفسه يشرد من خلال التأمل في وجه الدليل نفسه وحكيه الدرامي، محاولاً أن يستشف منه حكمة ما.
جاذبية الغرابة
هناك من يحب الجمال الزاهي والمبهج والناعم والمقبول اجتماعياً وغيره ينجذب أكثر للجمال القاتم والمتدفق وغير المتناسق والخارج عن المألوف والذي يحمل علامات الصمود. يبدو أن هكسلي هو من النوع الثاني في وصف انطباعه عن جمالية القدس حيث يقول:
"إضافة إلى كونها إحدى أكثر المدن التي تثير الكآبة، القدس هي من أكثرها غرابةً، بل يمكن القول إنها، بطريقتها الخاصة، إحدى أجمل مدن الأرض".
هكذا يصف هكسلي القدس، وربما يرمز ذلك أيضاً إلى نظرته التدريجية للدليل اللاجئ.
كالعادة: تهدمت... تعمّرت
لا نتعرف على اسم الدليل في المقال، وإنما نعرف أنه كان يتكلم الإنجليزية بلهجة خاصة به، ويميل إلى تكرار تعبيرات مثل "”Usually ("كالعادة") خارج السياق وفي غير محلها في الجملة (إضافته النوعية للغة الإنجليزية)، و“This area” )"هذه المنطقة") الأمر الذي وجده الكاتب طريفاً. من المفارقة أنه بحكم تاريخ القدس كانت حالة تدفق مفردات الزمان والمكان تترافق مع مفردات تشير إلى الهدم والدمار، وإلى إعادة التشييد والإعمار. من ذلك مثلاً وصف الدليل لـ "هذه المنطقة" التي قامت فيها القديسة هيلينا بتشييد كنيسة رحبة، ثم "تدمرت كالعادة" من قبل السامريين عام 529، ثم قام الصليبيون ببناء كنيسة أكبر، ثم في القرن السابع عشر قام الأتراك "كالعادة" بإزالة جزء من السطح بغرض استخدامها كذخائر حرب، الأمر الذي رسّب مياه المطر فتهدمت الكنيسة، ثم تمت إعادة بنائها من قبل حكومة بروسيا عام 1879، ثم "كالعادة تدمرت" مختلف المنازل في هذه المنطقة بعد "حرب عام 1948".
في النشاز حكمة ما في بعض الأحيان. يجد هكسلي في "إضافة الدليل النوعية للغة الإنجليزية" منطقاً ما يعبّر عن جدلية التاريخ البشري الذي يشهد المد والجزر، واختار تعبير الدليل عنواناً لمقاله عن القدس الذي انتشر بعنوان "تدمّرت كالعادة" ("Usually Destroyed").
تترواح علاقة هكسلي بالفلسطيني بين التهكم والفوقية، والتعاطف والتضامن، وكان مفتاحاً انطلق منه لسرد انطباعاته حول فلسفة الحياة. نلاحظ أيضاً إيحاءات غير مباشرة بالتضامن مع اللاجئين، وبالانبهار بتاريخ المقدسيين الذين صمدوا عدة حقبات تاريخية وسقوط وقيام عدة ممالك، وتوالي حالات الدمار والإعمار. لا ينظر إليهم هكسلي بشكل يقتصر على اللحظة وإنما ضمن نظرة تاريخية عميقة.
[صورة للفنان جاك مولاي يصور فيها معركة وهمية في القدس. المصدر موقع ويكبيديا]
ضبابية التاريخ
عقب زيارته للقدس، فكر هكسلي في جدلية التاريخ. كلما قلّبنا صفحات التاريخ اكتشفنا نسبية الحقائق والقيم التاريخية وضحالتها، وانفصام ما يدعى بالمبادئ أو "الحضارة". ما يسمى بـ "العصور الظلامية" يمكن اعتبارها "عصر الأنوار" أو "النهضة" بعد حين إذا فكرنا فيها من منظور آخر، ولا شك أن "عصور الأنوار" تعد ظلامية في رواية أخرى. في ثنايا التاريخ مجريات لها تداعيات أعمق مما تراه عدساتنا. كثيراً ما كانت "العظمة" و"الإبداع" سبباً في تعاسة الكثيرين. مصائب قوم عند قوم فوائد، انتصارات وبنايات ضخمة جاءت على حساب إذلال واستعباد الكثيرين، وأزمنة تم وصفها بأنها كانت "خاطئة" تبعاً للسرد التاريخي المهيمن، ولكنها تضمنت إنجازات طمستها الرواية التاريخة.
يضيف أن المغول احترفوا الفنون العسكرية وكان يؤمنون بـ"الذبح والتدمير لغاية التدمير". لو كانت بحوزتهم أدوات وأسلحة "عصرنا" (عام 1955) لأبادوا سكان الكرة الأرضية بأسرها. بأسلحتهم البسيطة والعفوية في ذلك الوقت (القرن الثالث عشر) كان عليهم الاكتفاء بإبادة بضعة ملايين فقط، والقضاء على عدة حضارات.
نزعة التدمير كانت موجودة دوماً عند البشر، وفقاً لهكسلي، ولكنها باتت "اليوم" (عام 1955) أقل وضوحاً وعفوية من السابق. الإنسان "كالعادة" يدمّر نفسه، ولكن حتى الآن قام ذلك بطريقة أقل من قيامه بإعادة البناء.
مع أن الحياة (عام 1955) أصبحت أسهل نتيجة للتطور العلمي، إلا أن الحكومات أخذت تنفذ سياسات "التدمير كالعادة" على مستوى أكثر احترافاً وتقنية ونفاذاً من معارك الماضي، الأمر الذي يشكل خطراً على الإنسانية جمعاء، وفقاً لهكسلي. تخيلوا الأعداد الكبيرة من البشر الذين يتنافسون على الموارد المحدودة، وكل إنسان يعتقد أنه مركز الكون، ومقابل ذلك هناك البيروقراطية المتزايدة والتكنولوجيا التي تتيح إيذاء أعداد كبيرة من البشر بكبسة زر.
"إن أكبر عدو للحياة والحرية والكرامة" هي حالة الفوضى العارمة، و"العدو الأكبر الثاني هو الكفاءة التامة" وفقاً لهكسلي ففي الحالتين، تتم السيطرة بشكل يخدم حالة "التدمير كالعادة" وتجرد الأفراد من إنسانيتهم.
إذا تأملنا في نص هكسلي في عصرنا اليوم، وراء الكواليس دول شرقية وغربية تعذب البشر ومختلف الكائنات الحية. نشهد ازدواجية المعايير بين سمو "الأخلاقيات الاجتماعية"، ودعاتها من الأنظمة الشمولية والليبرالية (العلمانية والدينية على حد سواء)، وما ينافي أي أخلاق على أرض الميدان، بل باتت القيم "الحضارية" و"الجميلة" تغلّف الممارسات الوحشية التي تتم تحت إطار مبادئ إنسانية وأخلاقية متناقضة مثل "القضاء على الإرهاب" أو "نصرة الدين" أو "الحفاظ على الاستقرار". نرى على شاشات العصر انتهاكات بعض "الجماعات الإرهابية" بحق المدنيين، ولكن لا شفافية إعلامية فيما يتعلق بممارسات القوى العسكرية التابعة لعدة دول في المنطقة، مثلاً مختلف القوى الشرقية والغربية التي تحارب في سوريا. ألا تمارس هي أيضاً سياسات "التدمير كالعادة"؟
تهجير ونزوح متجدد
يتخوف هكسلي أنه مع تطور الأسلحة سيصبح جحيم حروب وكوارث القرن العشرين مضاعفاً مقارنة بمعارك الماضي، بما في ذلك أعداد اللاجئين والنازحين والضحايا. يضيف أننا إذا تصورنا أن سبي بابل من قبل نبوخذ نصر الذي تم اعتباره وقتها حدثاً كبيراً ومريعاً، تضمن تهجير ما بين 4600-10.000 شخص فقط، ماذا بالنسبة للآلاف المؤلفة من البشر الذين تشردوا فيما بعد مع تتالي الحروب؟ وملايين الضحايا الذين تم اقتلاعهم من قبل هتلر والشيوعيين؟ والملايين الذين لجأوا من الهند إلى الباكستان والعكس؟. في هذا السياق، يذكر هكسلي تشرد الفلسطينيين إبان النكبة (أو حرب 1948 على حد وصفه)، حيث يقول: "ماذا بالنسبة للآلاف" الذين "تهجروا مع دليلنا الشاب من بيوتهم في اسرائيل؟". يضيف:
"قرأنا أنه عند "مياه بابل جلس وبكى عشرة آلاف شخص. في مخيم واحد في بيت لحم اليوم يفوق عدد اللاجئين (المنفيين) ذلك العدد بكثير. وبيت لحم هي فقط واحدة من بين عشرات المخيمات المنتشرة في الشرق الأوسط".
شجرة الحياة
نستحضر هنا فسيفساء شجرة الحياة في قصر هشام في أريحا في فلسطين. على جانب أسد يلتهم غزالاً، وعلى الجانب الآخر غزلان تسرح وتمرح وربما تتكاثر. بات الدمار والانفجارات المتناثرة مشهداً مألوفاً في المنطقة في عصرنا أيضاً، في لبنان وفلسطين واليمن والعراق ومصر وسوريا... وفي موازاة ذلك الحياة اليومية: الحب والتكاثر وتبادل الحكايات ومحاولات متفرقة لإعادة البناء.
[صورة لفسيفساء أريحا. المصدر موقع ويكيبديا]
توقعات
أكبر عائق أمام السعادة هو الخطر البيولوجي وفقاً لألدوس هكسلي. فالتاريخ الذي لا يأخذ الواقع الديمغرافي (علم السكان والإحصائيات ذات العلاقة) بعين الاعتبار لن يستطيع فهم الماضي والحاضر بشكل سليم، وسيبقى المستقبل بالنسبة له خارج دائرة التوقعات تبعاً للحيثيات الديمغرافية في ذلك الوقت، يتوقع هكسلي ما يلي:
1. تزايد المجاعة وسوء التغذية.
2. على الرغم من فاعلية سياسات تحديد النسل على المدى الطويل، لن تنجح في حل المآسي التي ستواجه الأجيال القادمة.
3. عدم قدرة التطور الزراعي على مجاراة نسب الخصوبة السكانية المتوقعة.
4. زيادة التصحّر.
5. عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وزيادة الحروب والثورات ونقيضها من الثورات المضادة.
6. تغلغل سلطة الحكومات المركزية وكبتها لحريات الأفراد. مع زيادة التنافس على الموارد، سيضطر الأفراد للعمل أكثر ولساعات أطول، وستبسط الحكومات سيطرتها بدعوى إنقاذ "الأزمة الاقتصادية"، وستسعى بحجج مختلفة إلى كبح جماح الجماهير الى تعاني من الفقر المتزايد.
عودة إلى القدس
بعد تأملاته هذه يعود الكاتب إلى وصف اللحظة:
"مقابل ذلك، نحن الآن هنا في القدس، نراقب الآثار التي "تدمرت كالعادة" ونطبطب أكتاف السكان الذين يعانون من الفقر "كالعادة"، والحجاج الذين يفيضون بحرارة الإيمان كالعادة".
يزور كنيسة القيامة وقبة الصخرة وكنيسة القديسة حنة والحي اليهودي ويصف حائط المبكى في ذلك الوقت .
الموسيقى تجاوز
[لوحة للفنان الفلسطيني يوسف كتلو]
يختتم هكسلي مقاله بالحديث عن الحي الأرمني في القدس، والتي يصفها على أنها "واحة القدس المفعمة بالحياة"، بلوحاتها "الرديئة" ولكن المبهجة، وسيراميكها الغني الملون، وكنيستها "المشعة". عند الوصول إلى الباحة، والمرور من مدخل الكنيسة الأرمنية، خرج إلى الملأ صوت موسيقي يعزف ليوهان سباستيان باخ (بارتيتا بلحن أ مينور).
صدى تلك الموسيقى كان يمس الوجدان، على حد وصفه، دون التظاهر بشيء ما، ودون كلام فارغ أو خطابات رنانة أو الادعاء ببطولة متمحورة حول الذات.
كانت تلك الموسيقى تبعث فيضاً من الأحاسيس التي تتردد وفقاً لمنطق وتراث فني عميق، يتجسد داخل وخارج الحدود المألوفة، ويخترق الزمن ليمنح للحياة معنى ما.
الزمن هو من أكثر التجارب المريعة في هذه الحياة وفقاً لصاحب "عالم جريء شجاع". أو بالأحرى فكرة الفناء والاندثار الأبدي. مقابل ذلك هناك الموسيقى التي تتعامل بشكل مباشر مع منطق الزمن. فالموسيقى هي شبكة متناغمة ومعقدة من مقادير الصوت والصمت، ودرجات الألحان وتناسقها وانسيابها وتشابكها وتدفقها...
كانت تلك الموسيقى تجتاز عتبات الموت والفناء إلى ما هو أكثر حيوية من الحياة البشرية حسب وصفه. خلال لحظات الإصغاء إلى الموسيقى أصبح للزمن قيمة وجودية ما.
يضيف: "شعرت وقتها بفيض من السعادة وغمرني إدراك يتخطى عالم الفوضى، ويخبر الجميع بأن الإندثار الأزلي هو أيضاً حالة ولادة وخلق أزلي"، و"ربما هذا ما كان الدليل يقوله بطريقته الخاصة طيلة الوقت".
كأن هناك رسالة رمزية في موسيقى المجهول في الحي الأرمني وفقاً لهكسلي، أن حالة "تدمرت كالعادة" هي أيضاً حالة "أعيد بناؤها وتعميرها كالعادة"، وهي جزء من سنن الحياة، "تماماً كالمطر والشمس والنعمة الإلهية وحالات الخراب في الطبيعة".
عند الخروج من باحات حارة الأرمن، وخبو صوت الموسيقى يضيف هكسلي في الأسطر الأخيرة من وصفه لرحلة القدس بأنه وجد نفسه أمام حمار مسحوق ورائحة مياه المجاري ليجد الدليل يقول بنبرته المعهودة "في عام 1916 حسب تقويم سيدنا يسوع المسيح" "قامت الحكومة التركية كالعادة بذبح قرابة 750000 أرمني".
أستحضر هنا مدينة حلب اليوم. غزاها كثيرون تاريخياً، وصمدت. للأسف تدمرت كالعادة، ونأمل أن تنهض من جديد. وحتى ذلك الحين، كالعادة تواسينا القدود والموسيقى التي تمنح للزمن مغزى إلى حين...